السيد عبد الأعلى السبزواري
37
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [ سورة الشورى ، الآية : 7 ] ، وسمّي اللوح المحفوظ ب ( أم الكتاب ) ، قال تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [ سورة الزخرف ، الآية : 4 ] ، وأم النجوم المجرّة ، وسمّيت المحكمات أم الكتاب لأنها أصول المعارف الإلهية ، والقوانين الخلقية ، وتنظيم الأنظمة الدنيوية والأخروية ، فإذا كانت المحكمات أصول القرآن فهي أصول جميع الكتب السماويّة ، لأن جميع الكتب السماويّة شوارق من أشعة القرآن ، استشرقت بها قلوب الأنبياء السابقين ، حتى تجلّت بتمامها في قلب سيد المرسلين ، فشرقت شوارق قلبه المقدّس بعد الاتصال بالذات الأقدس بجوامع الكلم التي هي في نفسها مدار الفقه والفلسفة والبرهان لأهل اليقين والعرفان ، لاتصال النور بالنور ، فيشع في مراتب البروز والظهور . والتشابه من الشبه ، وهو من المفاهيم العامة الاستعمال في المحاورات الدائرة بين الناس ، فيستعمل في مطلق مشابهة شيء بشيء آخر كيفا أو كما أو في جهة أخرى ، وربما يكون ظهور اللفظ في معنى عرفي يوجب التشابه والالتباس في مورد الاستعمال ، كقوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ سورة الفتح ، الآية : 10 ] ، وقوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ سورة طه ، الآية : 5 ] ، كما أن المجمل كذلك أيضا . وقد يتّصف جميع الكتاب بالتشابه أيضا ، كما في قوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [ سورة الزمر ، الآية : 23 ] ، لتشابه جميع آياته في الفصاحة والبلاغة وبديع الأسلوب وكمال الجمال ، وأنها صادرة عن مبدئ حكيم قدير ، لا يمكن أن يحيط بحكمته وصنعه ادراك الممكنات . وهو غير التشابه الذي ورد في هذه الآية الشريفة كما في المحكمات ، والمعنى أن الآيات المحكمات التي هي أم الكتاب هي الأصل الذي لا بد أن يرجع إليه عند قصور العقول عن درك معاني غيرها .